الشيخ السبحاني

76

مفاهيم القرآن

مناص منه في تربية النوع البشري بالنظر إلى العناية الإلهية . وإن شئت قلت : الواجب في عناية اللَّه تزويد المجتمع الانساني بشريعة يأخذ بها في حياته الاجتماعية دون أن يخص بها قوماً ويترك الآخرين سدى لا عناية له بهم ، ولازمه أن يكون أوّل شريعة نزلت على البشر شريعة عامّة ، وقد أخبر اللَّه سبحانه أنّ شريعة نوح هي أوّل شريعة نزلت على المجتمع البشري قال سبحانه : شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً والّذِي أوْحَينَا إليكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إبرهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَّرقُوا فِيهِ » ( الشورى - 13 ) ، ومقام الامتنان يقتضي بأنّ الشرائع الإلهية المنزلة على البشر عبارة عمّا جاء ذكرها في هذه الآية ، وأوّل ما نزلت من الشرائع هي شريعة نوح ، ولو لم تكن عامة للبشر ، بل كانت خاصة بقومه لكان هناك أمّا نبي آخر ، وشريعة أخرى لغير قوم نوح والحال أنّه لم يذكر في هذه الآية ولا في موضع آخر من كلامه سبحانه . وأمّا اهمال سائر الناس غير قومه في زمنه وبعده إلى حين « 1 » . ملاحظات في كلام العلّامة الطباطبائي وفيما ذكره - قدّس سرّه - ملاحظات نلفت نظر القارئ الكريم إليها : أمّا أوّلًا : فإنّ ما ذكره من أنّه يجب في عناية اللَّه تكميل الأنواع وأنّ الشريعة الإلهية تكمل النوع الانساني ، وأنّ التشريع تكميل للتكوين ممّا لا كلام فيه ، غير أنّ الكلام هو في قابلية سائر العناصر البشرية الأخرى المعاصرة لنوح ، الساكنة في مناطق أخرى لتلقي الشريعة وأخذها والعمل بها ، فإنّ من المحتمل أن لا تكون تلك العناصر والأفراد لبداوتها وبساطة شعورها وحياتها أهلًا لارسال الشريعة إليهم وعدم بلوغهم بعد إلى حد يستأهلون معه للتعليم الإلهي ، فإنّ من البديهي أنّ البلوغ الجسماني وحده لا يكفي في تلقي الشريعة والعمل بها ، بل يجب أن يكون معه مقدرة فكرية واستعداد نفسي يؤهّله لاستقبال الشريعة ، والدخول في مدرسة الوحي الإلهي . فمثل بعض المجتمعات قبل أن

--> ( 1 ) - الميزان ج 10 ص 271 - 272 .